الخميس 21 شتنبر 2017 (الأخبار على مدار الساعة)
الرئيسية / 24 ساعة / ما الخطأ؟
ااااا

ما الخطأ؟

ليس من المفترض أن يتجه القول نحو تسديد فهم المتلقي بسهولة، فمن المحتمل دائما أن يستقبل ما قيل بشكل خاطئ، في حين يبدو صحيحا بالنسبة له. فالكل ينتج الأخطاء وقد يتنبه لها ويعود لكي يصحح الخطأ بخطأ جديد. وما قد يبدو لي اليوم بسيطا ويسيرا ومنطقيا معرض غدا للفساد . وحتى تلك المعرفة التي كانت مطلقة أصبحت فيما بعد نسبية بل تبدو محتملة فقط . فعندما أنتج الفيلسوف نظريته في المعرفة وقدمها كجواب على مشاكل عصره المعرفية كان مقتنعا بصلاحها ريثما يعود لهدمها أو تعديلها أو متمسكا بها، غير أنها سرعان ما تبدو خاطئة في نظر فيلسوف آخر عمل على نقدها و تبيان مكامن الفساد فيها مقترحا نظرية بديلة تبدو في نظره أكثر تماسكا وواقعية . ثم يليه فيلسوف آخر يقوم بنفس ما قام به تجاه نظرية الأول وهكذا دوالي…

وقد قال توماس كون الكثير في هذا الصدد عندما حرر كتابه بنية الثورات العلمية . هل بهذا المعنى نحن محكومون بالخطأ؟ قد يبدو لي أن تاريخ الأفكار بمجمله سلسلة من الأخطاء المستمرة…

هل بالخطأ أنتجت المعرفة ؟ وهل العلم متعالي عن الأخطاء أم بها يستمر ؟ كتب العديد من الابستيمولوجيون في هذا النطاق بشكل مستفيض أمثال بوبر.ك و روزنبورك عن أولوية الخطأ في المعرفة وضرورة اخده بالاعتبار عندما تنتج أية نظرية . ولعل أكثر ما يثير الغرابة هي لغة السياسي الوثوقية المستغرقة في اليقينية عندما يدافع عن مشروعه الإصلاحي. فعندما استمع لواحد من هاؤلاء أشعر أن السياسة مجال بدون أخطاء!! فهذا السياسي يبدو لي دائما مدعي للحقيقة التي لا يمسها شك إلا في ما يتعلق ببرامج خصومه فهو أكثر من يتحدث عن أخطائهم الكثيرة!!

كنت أسلم تسليما قاطعا أن الرياضيات لم يعرف في مساره الخطأ حتى سمعت يوما انه هو الآخر أنتج نظريات خاطئة كمثال عن هندسة اقليدس التي تجاوزتها الهندسات اللاقليدية مع ريمان ولوباتشوفسكي أما ميدان الأخلاق الدي من المفترض أن يحدد الفعل الصائب من الخاطئ وجد نفسه في قوقعة الخطأ مع نظريات مقلقة كالنظرية القائلة بنسبية الأخلاق أو تلك التي تعطي الأخلاق حيزا بيئيا فما قد يعتبر مثلا فعلا غير مقبول أخلاقيا في النمسا يعتبر مقبولا في باكستان وهكذا…

قد يجلس أحدنا في مقهى شعبي و يلاحظ سلوكيات من حوله ويبدأ في إصدار الأحكام، فقد يبصر فعلا أشياء تحيل إلى الخطأ ويعلق عليها بشكل لايخلو من الخطأ فنحن بارعون في اصطياد أخطاء غيرنا لكن فاشلون في إكتشاف أخطاءنا، هناك سؤال يراودني دائما لمذا يحبد البعض تبرير الخطأ دون أن يعترف به ببساطة؟ أعتقد أن حقل التبرير نفسه لا يخلو من الأخطاء اذكر أن يوما عرض فيه صديق لي على المحكمة بتهمة لا داعي لذكرها فسأله القاضي إن كان يعترف بما أنسب إليه أو لا فتجنب أن يعترف بشكل مباشر وانطلق في سلسلة من التبريرات اعتبرها القضاء في النهاية فرصة لتشديد العقوبة السجنية في حقه عكس لو اعترف والتزم الصمت فتبريراته لم تكن مقنعة بقدر ما كانت مادة للقاضي لاكتشاف جوانب ودواعي الجريمة.

وهذا شاب اخطأ في حق حبيبته موجهة له اللوم ورد هو الآخر مبررا فلم تلقى تبريراته استحسان الفتاة فبادرت في إنهاء العلاقة و الحال أنها كانت ترغب فقط في سماع اعتراف ليس عشرات المبررات !! فهل أخطأ القاضي في حكمه على صديقي نظرا لسوء فهمه لتلك التبريرات التي بدت للبعض مقنعة وسقط القاضي في فخ التأويل الخاطئ؟ وهل أخطأت الفتاة في قرارها وحكمها على حبيبها بالانفصال نتيجة سوء تقدير ؟ وفي مشاهد أخرى نجد أشخاصا يبتعدون قدر الممكن عن الوقوع في الأخطاء دون نتيجة فيعلق أحدهم أننا خاضعون لضرورة الخطأ ومنهم من قال أننا ورثة خطيئة آدم أبو البشر ومنهم من ذهب أبعد وقال أن الحياة لا مجال لاستمرارها دون أخطاء ولا طعم لها فمن الخطأ يتعلم الإنسان. وإذا ما استندنا إلى هدا القول يصبح الخطأ معيارا للمعرفة هذه الأخيرة التي تريد أن تتجاوز الأخطاء واستحضر مقولة ميشيل فوكو الذي اعتبر تاريخ الأفكار سلسلة من التصحيحات التي يقوم بها العلم.

غير أنه من الملاحظ أن مهما ارتقى العلم وأصبح دقيقا نسمع عن اخطاءه قياسا عن نجاحاته التي لا مجال لانكارها. خد مثال الطب فبين الحين والآخر نسمع عن أخطاء طبية أودت بحياة مريض فكيف يعقل أن يحدث الخطأ في حضرة طاقم طبي متخصص مزود بأحدث الوسائل التكنولوجية ؟ تناولت العلوم المعرفانية موضوع الخطأ وكيف يمكن تجاوزه أو تقليل قابلية حدوثه من خلال الأبحاث المؤطرة ضمن ميدان السيبرنيطيقا وعلوم التحكم، الخطأ معناه الفوضى في نظرهم لاسيما انهم رفعوا شعار المعرفة الكاملة المتعالية عن الأخطاء فهل يمكن فعلا تحقيق هدا المشروع أم لا يتعدى أن يكون الأمر مجرد يتوبيا ابستيمولوجية؟

بقلم: عدنان أوبوهو “باحث في العلوم الإنسانية”

شاهد أيضاً

SAR

“الديستي” تفكك شبكتين خطيرتين لسرقة السيارات في الدارالبيضاء

تمكنت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني من تفكيك شبكتين متخصصتين في سرقة السيارات، واستعمالها في ...

TASR

بالفيديو..شخص “يشرمل” أستاذة بالمدينة القديمة بالبيضاء

ddd

المغربي “مُدمر” لذاته ومجتمعه ودينه

لم أعد متفقا مع الباحثين بأن المغربي يتميز بشخصية متناقضة لأنني توصلت إلى اكتشاف أن ...

ajl

عاجل.. شخص يضرم النار في جسده أمام البرلمان

قالت شرطة نيوزيلندا يومه الخميس إن تقارير أفادت بأن رجلا أشعل النار في جسده خارج ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *